
“لقاء اليمامة بين البرهان وسلمان.. النقلة الأخيرة والضربة القاضية
متابعات _ موجز الأحداث _ في قراءة هادئة لدلالات زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرياض، يبرز نمط معروف في الدبلوماسية السعودية لا يخفى على المتابعين؛ إذ إن عقد لقاءات على مستوى الملك أو ولي العهد وبحضور وزراء الدفاع والخارجية والمالية ومستشار الأمن الوطني لا يأتي في إطار المجاملات أو العلاقات العامة، بل يعكس تعاملاً مع ملف ذي طابع أمني قومي أو إقليمي بالغ الحساسية.
هذا التشكيل السيادي الكامل، وفق الأعراف السياسية السعودية، لا يُستدعى إلا عندما تكون هناك تحولات كبرى أو مخاطر مباشرة تمس الاستقرار الإقليمي. وقد تكرر هذا المشهد سابقاً في محطات مفصلية، أبرزها مع مصر عقب عام 2013، ومع البحرين في ذروة التهديدات الوجودية، ومع العراق في مرحلة ما بعد تنظيم داعش. وفي جميع هذه الحالات، كان القاسم المشترك هو دعم الشرعية أولاً، ثم الانتقال إلى الدعم السياسي والأمني والاقتصادي، بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
من هذا المنظور، يمكن القول إن لقاء قصر اليمامة نقل الملف السوداني من كونه أزمة داخلية إلى ملف إقليمي له انعكاساته المباشرة على أمن البحر الأحمر، والطاقة، والهجرة، وأمن الممرات الدولية. لغة البيان السعودي، التي ركزت بدقة على مفهومي “الأمن والاستقرار”، حملت رسالة واضحة برفض أي خطاب يساوي بين الدولة ومؤسساتها الشرعية من جهة، والمليشيات من جهة أخرى.
وتأتي زيارة البرهان للرياض ضمن سلسلة لقاءات خارجية أجراها منذ اندلاع الحرب، حملت جميعها طابعاً سيادياً مشابهاً وأسفرت عن تحولات ملموسة على الأرض. فزيارته الأولى إلى القاهرة، ولقاؤه بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بحضور أمني وعسكري رفيع، مثّلت نقطة تحول في وقت كان الخطاب الدولي يحاول فرض معادلة المساواة بين الجيش والمليشيا، قبل أن تعلن مصر موقفها الداعم للجيش السوداني كمؤسسة شرعية، ويتبع ذلك دعم سياسي وأمني مؤثر.
كما أن لقاء البرهان مع رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، بحضور قيادات عسكرية وأمنية، أسهم في تحييد جوبا، ومعالجة ملفات الحدود والنفط ومسارات التهريب، وهو ما انعكس إيجاباً على مسرح العمليات.
وتؤكد هذه السوابق أن المملكة العربية السعودية لا تعتمد نهج التصريحات الصاخبة، بل تتحرك وفق سياسة “الصمت الفعّال”، حيث تُدار القرارات داخل غرف مغلقة، وتظهر نتائجها تباعاً على المستويين السياسي والأمني. وبهذا المعنى، فإن لقاء اليمامة لم يكن حدثاً بروتوكولياً، بل مطبخ قرارات جرى فيه ترتيب أوراق مرحلة جديدة في التعامل مع الأزمة السودانية.
في المحصلة، تعكس التحركات السعودية إدراكاً عميقاً لموقع السودان الجيوسياسي ودوره المحوري في توازن الإقليم، باعتباره عنصراً أساسياً في أمن مصر، وعمقاً استراتيجياً لأمن البحر الأحمر والخليج، وأي اهتزاز فيه يحمل تداعيات تتجاوز حدوده إلى الإقليم بأكمله.











