
إسحق أحمد فضل الله يكتب.. السودان يواجه الفناء لأنه…. شديد الثراء.
……
وحتى الأربعينات، أيام السور مصنوع من الشوك والأغصان الجافة، والبيت مكون من غرفة واحدة. أيامه كانت المرأة من خلف نار الحطب في منتصف الحوش، والحلة تغلي. المرأة تصيح بجارتها:
. بت حمد، هووي… عندكم ملاح؟
أو تصيح بجارتها بعد صلاة العشاء:
. الزينة…. ولدي اليسر عندكم؟
وهذه ترد:
هادا نايم.
والأولى تصيح:
. خلاص، خليه للصباح.
وأيام العيش (الذرة) مزروعة على بعد أمتار. والعيب كله أن يشتري أحد الذرة…
وفي كل بيت غنماية، أو بقرة حلوبة تتضرع وليها ضرع. وساقية تشق الليل.
وفي الفجراوي.
وشيخا في الخلاوي ورع..
وكسرة. وعيب أن يشتري أحد اللبن…
ولعلك تجد أن كل هذا، والحياة كلها ليس فيها كلمة.. (قروش).
الكلمة التي تعني العبودية.
……
ومن يُحدِّث يقول:
العبودية انتهت؟؟؟
ها ها. تعال لتعرف.
قال:
العبودية الأعظم في العالم هي ما يجري الآن.
قال: في أمريكا يجعلونك تستدين ألف دولار… ألف فقط… وتحت إغراء شديد..
بعدها لابد لك أن تعمل لتسديد الدين…
والدين أرباحه تتمطى.
وأنت مثل من يركض خلف ظله، تعجز عن اللحاق به.
والإيجار يجعلك تعمل كالعبد…
ومصاريف التعليم الإجباري…. وإغراءات السلع…. وفواتير الكهرباء والماء، وأشياء تجعلك تعمل دون راحة على الإطلاق.
فإن قررت شراء بيت ثمنه ثلاثون ألف دولار، جاءك السمسار الذي يعرض بيتا تملكه اليوم بعد القسط الأول الذي هو ألف دولار فقط… وأنت تبتهج.
وتدخل بيتك. لكنك تجد أنك تعمل لثلاثين عاماً في عبودية لا تقبل عذراً.
والثمن، ثمن البيت الذي هو ثلاثون ألفاً، يتحول مع الزمان إلى عشرة أضعافه. فما تدفعه أنت هو الأرباح… الأرباح. والثمن الحقيقي يبتعد ويبتعد، حتى لا تصل إليه أبداً…
……
والحرية والغنى. هل هما سودان الأربعينات… أم هو أمريكا اليوم؟
……
وحتى الستينات كان السوداني يأكل الكسرة.
وجاءت (المعونة).
والمعونة ظلت تمد السودان بالقمح مجاناً… ثم القمح مجاناً… حتى إذا ترك السوداني الذرة والكسرة، أمسكت أمريكا يدها وقالت:
. هاتوا الثمن.
ثم كان الثمن هو نصف ميزانية السودان… وإن لم يأت القمح، انطلقت أغنام الخرطوم في المظاهرات.
…..
اعرفوا العالم الذي تنغمسون فيه.
وأمس لما قلنا… ازرعوا، كتب إلينا أحد (ملاغات) الخرطوم يشتمنا.
وردَّنا كان بالطبع هو كلمة من حرفين، متشابهين… ط….









