الشعب السوداني من الشعوب الأكثر استنارة و تفاعلا مع محيطه وقضاياه العامة.. ولكن في المقابل ترتفع لديه “قابلية الانخداع”؛ أي الاستجابة للمكر السياسي و التماهي مع الشعارات غض النظر عن واقعيتها.
روى لي الأستاذ عبدالله عبيد رحمه الله أنه في سيتينيات القرن الماضي نظموا مظاهرات حاشدة في الخرطوم ضد المشروع الذي تموله المعونة الأمريكية لتشييد الطريق المسفلت “الخرطوم بحري -الجيلي”.. والمشكلة ليست في الاعتراض على طريق مسفلت ينفع الناس بل في الشعارات والهتافات التي تطرح حيثيات الاعتراض.. وجه الاعتراض هو أن أمريكا ستستخدم الطريق المسفلت لهبوط الطائرات الحربية (لضرب حركات التحرر الأفريقي)!!
مئات القصص المشابهة قد لا تسعها المساحة هنا.. تختلف تفاصيلها والعهود السياسية لكن تتفق في أنها تكشف “قابلية الانخداع” عند الشعب التي تشجع الحكام أو الساسة عموما على عدم الاجتهاد في حبكة الحكاوي التي يسوقونها لخداع الشعب.. فينخدع.
“قابلية الانخداع” لا تعني ضعف العقلية الشعبية أو ذكاء من يخدعها.. بل التكوين النفسي الميال للتعامل مع “قطعيات دون معطيات”.. الأخذ بالنتائج دون استعلام الوسائل التي أدت إليها.
“قابلية الانخداع” تتضافر عدة عوامل في تعزيز وجودها على المستوى الشعبي.. أولها التكوين العقلي الطائفي الذي يجعل محك الصدقية في البطاقة الشخصية لا الموضوعية.. فتقبل الفكرة على أساس أيديولوجي أو انتماء سياسي أو حتى قبلي دون الحاجة لاخضاعها لضوابط العقل والمنطق.
والمثير للدهشة حقا؛ أن “قابلية الانخداع” لا تنفرد بها طبقة معينة أو مجموعة سياسية أو جهوية من القواعد الشعبية.. بل تنتشر في المجتمع أفقيا و رأسيا.. أفقيا في كل أرجاء السودان، في الحضر و الريف.. و رأسيا من المواطن الأمي الذي لا يفك الخط إلى المتخصص المهني أو الأكاديمي الذي حذق فنه ولكن لا يكاد يملك من مهارات التمحيص ما يجعله قادرا على التمييز بمنطق (أن تحسب الشحم في من شحمه ورم)، على قول الشاعر أبو الطيب المتنبي.
في لحظات عجيبة تبدو خطوط الفصل غير واضحة بين من يملك المؤهل والخبرة ومن لا يملك إلا عقلا أبيض غير ممهور بعلم ولا خبرة.. يستويان في الفهم و رد الفعل السياسي.
“قابلية الانخداع” مؤثرة للغاية في نمو الامة السودانية.. لانها تضعف الرشد العام للدولة وتجعلها أشبه بالمتخلف عقليا الذي ينمو جسده ولا يتطور عقله..دولة عمرها 70 سنة ولكن سياسيا تسودها عقلية لم تبلغ الحلم.
التخلص من “قابلية الانخداع” تتطلب مواجهة حقيقية لرفع الوعي.. صدمات كهربائية فكرية ترغم العقل الجماهيري على التخلص من المُسَلمّات و التفكير في المصالح القومية بعين فاحصة ضمير يقظ.
ولكن بكل أسف.. الواقع الآن الغالبية تستسهل ركوب الموجة الشعبية حتى ولو كانت تسونامي يغرق البلاد.
التيار






