
لأول مرة بقال يكشف تفاصيل مثيرة حول حصار الجيش للإذاعة والتلفزيون
تحت مسمى “مذكرات ومواقف: كتمة وكمين الإذاعة”، روى الكاتب والناشط إبراهيم بقال سراج تفاصيل مثيرة وخطيرة لرحلة نجاة إعجازية من حصار مقر الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بأم درمان قبيل تحريرها بواسطة الجيش السوداني؛ حيث بدأت القصة بزيارة دورية للواء “آدم أب شنب”، المسؤول العسكري لقوات الدعم السريع بأم درمان، في مقر إقامته وعملياته ببيت الإمام الصادق المهدي المتاخم للإذاعة.
ويعكس السرد ضراوة الأوضاع الميدانية آنذاك، إذ كانت العمليات العسكرية “كاتمة شديد” وسط تقدم كاسح لقوات الجيش والقوات المساندة، وهو ما تجلى فوراً في وقوع بقال ومرافقيه في كمين محكم عند “صينية التجاني الماحي”، حيث فوجئوا بارتكازات ودشم متتالية للجيش عند تقاطع شارع الأربعين، ليعبروا بـ “قدرة قادر” نحو صينية “حوش الخليفة” تحت زغاريد رصاص قناص كان يستهدف الشارع من داخل سوق أم درمان، مما اضطرهم لترك عربتهم والزحف على الأقدام حتى بلوغ مبنى الإذاعة.
وأمام هول الحصار وكثافة القصف الجوي والمدفعي بمعدل عشر دانات ومسيرات في الدقيقة الواحدة، انقطعت صلة المحاصرين بالزمن لعدة أيام قضوها داخل “بدروم” بيت الإمام دون تمييز بين ليل أو نهار، حتى وصول القيادي “الفاتح قرشي” عبر نهر النيل بمركب يحمل إمداداً وتمويناً؛ وهنا وضعهم اللواء أب شنب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما المخاطرة بالعودة البرية عبر الشوارع التي أُغلقت تماماً والتحم فيها جيش كرري بقوات سلاح المهندسين، أو الارتداد نهائياً عبر النهر، موجهاً لهم توبيخاً حاداً غلبت عليه الدبرسة والانفعال قائلاً: “أبقى ليكم هليكوبتر يعني؟! ترجعوا بس ولو كتلوكم انتو ما أحسن من الماتوا”.
وبين خياري الموت، اختار بقال ومرافقوه ركوب النهر بعد تلاوة الشهادة، لتبدأ فصول دراما مرعبة في عرض النيل عقب فقدان السيطرة على المركب وانحرافه تلقائياً نحو مواقع الجيش في المهندسين، مما تسبب في دخول الفاتح قرشي في نوبة إغماء وتبول لا إرادي من شدة الهلع، ليتم إسعافه بالماء والمكمدات حتى استعاد وعيه وتمكنوا بالجلالة من تعديل المسار صعوداً نحو كوبري الحلفايا.
واختتم بقال مذكراته بتوثيق خط السير المعقد لرحلة الهروب الكبرى التي انطلقت من مزارع بحري وشملت مناطق شمبات، كافوري، القنطرة، حلة كوكو، وكوبري المنشية وصولاً إلى الخرطوم، ومنها عبر كوبري جبل أولياء إلى منطقة الصالحة بأم درمان، ليفاجأ الجميع بنجاته بعد أن أُدرج اسمه رسمياً في عداد القتلى أو الأسرى، خاصة وأن تحرير الإذاعة تم بعد أيام قلائل من فراره.
وكشف الكاتب بأسلوب ساخر عن لقاء لاحق جمعه باللواء أب شنب وناجين آخرين في إحدى “شوايات” الصالحة وهم يتبادلون ضحكات التعجب حول كيفية خروجهم، مستدعياً وعيد “الفاتح قرشي” له بالتصفية الجسدية في حال كشف تفاصيل إغمائه وتبوله داخل المركب، وهو السر الذي آثر بقال كتمانه طوال تلك الفترة قبل أن يفرجه الآن بـ “ضحكة مكتومة” معلناً مواصلة كتابة هذه المذكرات الميدانية.











